الأمير الحسين بن بدر الدين
229
ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة
فإنّه لا يكون تكليفا ؛ لأنّ التكليف تعريض للثواب ، والملجأ غير معرّض للثواب ؛ لأنه لا يستحق الثواب إلا بأن يفعل الواجب لوجوبه ، والحسن لحسنه ، ويترك القبيح لقبحه ، والملجأ إنّما يكون منه ذلك لمكان الإلجاء فقط ، فهذا هو حد التكليف . وأمّا المكلّف فهو فاعل التكليف . والمكلّف هو من أعلم بوجوب بعض الأفعال عليه ، وقبح بعضها منه ، وأنّ الأولى به أن يفعل بعضها ، وأنّ الأولى به أن لا يفعل بعضها ، مع مشقة تلحقه في ذلك ، أو في سببه ، أو ما يتصل به ، ما لم يكن ملجأ إلى شيء من ذلك . والذي يدل على صحة هذه الحدود أنه لا يسبق إلى الأفهام من قولنا : تكليف ومكلّف ومكلّف سوى ذلك ؛ ولذلك يطّرد المعنى فيه وينعكس ، وذلك أمارة صحة الحدّ . فثبت بذلك الموضع الأول ، وهو في حقيقة التكليف والمكلّف والمكلّف . وأما الموضع الثاني وهو في الدلالة على حسن التكليف على العموم ؛ فالذي يدل على ذلك أن التكليف تعريض لنفع عظيم لا ينال إلا به مع تعرّيه عن سائر وجوه القبح . وكلّ تعريض لنفع عظيم لا ينال إلا به مع تعريه عن سائر وجوه القبح فهو حسن . وإنّما قلنا : إنّه تعريض لنفع عظيم لا ينال إلّا به مع تعرّيه عن سائر وجوه القبح . فالذي يدل على ذلك أنه تعالى إذا خلقنا ، وأحيانا ، وأكمل عقولنا ، وخلق فينا شهوة القبيح ، ونفرة الحسن ؛ فلا بدّ أن يكون له في ذلك غرض ؛ لأن تعرّيه عن الغرض يكشف عن كونه عبثا . والحكيم لا يفعل العبث كما تقدم .